العلامة المجلسي
303
بحار الأنوار
بألسنتكم دون قلوبكم . فلكم أن تخبروا عن أنفسكم وأما الاسلام الحقيقي فلم يثبت لكم عند الله تعالى كالايمان ، فلذا لم يخبر عنكم به ، وقد يظهر من ذلك الجواب عن الثاني أيضا . إن قلت : إن الاسلام من الحقائق الاعتبارية للشارع ، كالايمان ، فلا يعلم إلا منه ، وحيث أذن لهم في أن يخبروا عن أنفسهم بأنهم أسلموا مع أن الايمان لم يكن دخل قلوبهم كما دل عليه آخر الآية ، تدل على أنه لم يكن له حقيقة وراء ذلك عند الشارع ، وإلا لما جوز لهم ذلك الاخبار ، واحتمال المجاز يدفعه أن الأصل في الاطلاق الحقيقة ، ولزوم الاشتراك على تقدير الحقيقة ، يدفعه أنه متواطئ أو مشكك ، حيث بينا أن مفهومه هو الانقياد والاذعان بالشهادتين ، سواء اقترن بالمعارف أم لا ، فيكون إسلام الاعراب فردا منه . قلت : لا ريب أنه لو علم عدم تصديق من أقر بالشهادتين لم يعتبر ذلك الاقرار شرعا ولم نحكم باسلام فاعله ، لأنه حينئذ يكون مستهزئا أو مشككا ، وإنما حكم الشارع باسلامه ظاهرا في صورة عدم علمنا بموافقة قلبه للسانه ، بالنسبة إلينا تسهيلا ودفعا للحرج عنا ، حيث لا يعلم السرائر إلا هو ، وأما عنده تعالى فالمسلم من طابق قلبه لسانه كما قال تعالى " إن الدين عند الله الاسلام " ( 1 ) مع أن الدين لا يكون إلا مع الاخلاص لقوله تعالى " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " ( 2 ) إلى قوله تعالى " وذلك دين القيمة " . فالاسلام لا يكون إلا مع الاخلاص أيضا بقرينة أنه ذكر الاسلام معرفا وذلك يفيد حصر الاسلام في الدين المخلص ، فكأن المعنى والله أعلم : لا إسلام إلا ما هو دين عند الله تعالى كما يقال زيد العالم أي لا غيره ، والفرق ظاهر بين أن يقال الدين المخلص إسلام ، أو هو الاسلام كما قررناه ، فعلم أن الاسلام اللساني ليس داخلا في حقيقة الاسلام عند الله ، والكلام إنما هو فيما يعد إسلاما وإيمانا عند الشارع لا عندنا ، بحيث لا يجتمع مع ضده الذي هو الكفر في موضع واحد
--> ( 1 ) آل عمران : 19 . ( 2 ) البينة : 5 .